الرئيسية » ورقة نقدية من 5000 ليرة سورية مزينة برموز عسكرية : ما الرسالة؟

ورقة نقدية من 5000 ليرة سورية مزينة برموز عسكرية : ما الرسالة؟

بواسطة إقتصادي

بتاريخ 24 كانون الثاني (يناير)؛ أعلن مصرف سوريا المركزيّ طرح الفئة النقدية الجديدة (5000 ليرة سورية) للتداول، وهي أكبر فئة طرحت في سوريا إلى الآن.

وأفاد مصرف سوريا، في بيان له؛ أنّ “طرح هذه الفئة النقدية أتى ملائماً للمتغيرات الاقتصادية الحالية”، كما أوضح أنّ “طرح فئة الـ 5000 ليرة للتداول يأتي انطلاقاً من دوره بمتابعة السوق، وتأمين احتياجاته من كلّ فئات الأوراق النقدية، وبناء على دراسات قام بها في السنوات السابقة، ووضعه للخطة الكفيلة بتأمين احتياجات التداول النقدي من كلّ الفئات؛ حيث تبيّن أنّ هناك حاجة لفئة نقدية أكبر من الفئات الحالية المتداولة ذات قيمة تتناسب مع احتياجات التداول النقدي”.

النظام السوري فاقد للشرعية، وغير معترف به دولياً، إلا من دول محدّدة، والعملة الجديدة تتمّ طباعتها في روسيا، وهذا لا يحظى باعتراف دوليّ

كما برّر المصرف اعتماده على فئة الـ 5000 إلى تلبية توقعات احتياجات التداول الفعلية من الأوراق النقدية، وبما يضمن تسهيل المعاملات النقدية وتخفيض تكاليفها، ومساهمتها بمواجهة آثار التضخم التي حدثت خلال الأعوام الماضية، إضافة إلى تخفيض كثافة التعامل بالأوراق النقدية، بسبب ارتفاع الأسعار خلال سنوات الحرب والإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب المفروضة على سوريا، والتخلص التدريجي من الأوراق النقدية التالفة، لا سيما أنّ الاهتراء قد تزايد خلال الآونة الأخيرة، حسبما جاء في البيان الذي بثته وكالة “سانا” السورية.

هي أكبر فئة طرحت في سوريا إلى الآن

وكان النظام السوري قد لجأ إلى هذا الإجراء في السنوات الخمس الأخيرة لمواجهة التضخم الكبير، بالتزامن مع انخفاض قيمة الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها؛ إذ بلغ معدل التضخم في سوريا، العام الماضي، 263.64%، بحسب تقارير اقتصادية دولية.

كما يأتي طرح فئة نقدية جديدة في وقت تعاني فيها سوريا انهياراً اقتصادياً وأزمة معيشية تعدّ الأسوأ في تاريخها.

اقرأ أيضاً: الذعر يسيطر على ميليشيات تركيا في سوريا بعد هذه الواقعة

واستقبل السوريون هذا الإجراء بحسّ تهكّمي ساخر، يعكس عمق الحالة اليائسة التي وصل إليها السوريون، داخل سوريا وخارجها، من انسداد الأفق لأيّ حلّ سياسيّ ملموس على الأرض؛ إذا علق كثير من السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي الرسومات والرموز التي طبعت على الورقة النقدية الجديدة، مثل “الجندي” في الجيش السوري الذي يؤدّي تحية العلم، وعلم سوريا (الذي يعتمده النظام)، وفي الوجه الخلفي جدارية لطائر العقاب، إلى جانب معبد بعل شمين، والشمس، وغصن زيتون، تعود للقرن الثاني الميلادي؛ ورأى معلقون أنّ النظام السوري يرى نفسه من خلال “بطولاته” العسكرية بأنّه مسطّر تاريخ سوريا الحديث، وامتداد تاريخ سوريا القديم!

اقرأ أيضاً: قرار جديد لبايدن يتعلق بالسوريين

وحول هذا الموضوع، قال المحلل الاقتصادي السوري، يونس الكريم، لـ “حفريات”: “النظام يريد إرسال رسالة لكلّ الأطراف، وعلى رأسها المعارضة السورية، بأنّ الحلّ العسكري هو الحلّ الوحيد، وهذا يظهر في تصميم الورقة النقدية من قطعة الـ 5000 ليرة سورية الجديدة؛ فهي تحمل اللون “الكاكي”، وهو اللون نفسه للزيّ العسكريّ، إضافة إلى باقي الرموز الموجودة؛ كصورة الجندي، وعلم النظام، وطائر العقاب الذي يظهر وكأنّه يراقب شيئاً ما، كإشارة إلى الأجهزة الأمنية ودورها في القمع.

 

وأضاف: “النظام أراد إرسال هذه الرسالة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، ليقول من خلالها، بما معناه، إنّ الانتخابات ستكون “شكلية”، وإنّ الحلّ العسكريّ مستمرّ، حتى إيجاد حلّ في سوريا يكون هو على رأسه، ولن تكون هناك أيّة مصالحات أو حلّ سياسيّ، وهو ما تحاول أن ترسمه الأمم المتحدة، وحتى حلفاء النظام، وأقصد هنا روسيا”.

ويتوقع الكريم أن تكون هناك “تداعيات اقتصادية سلبية، بسبب طرح ورقة نقدية من فئة الـ 5000، مثل زيادة ارتفاع أسعار السلع والغذائيات والمواد الأساسية في سوريا، وهذا يقود إلى ارتفاع سعر الدولار، وهنا ندخل في حلقة مغلقة بين ارتفاع مستوى الدولار وارتفاع أسعار المواد الأساسية والمنتجات الغذائية؛ حيث تصعب إزالته فيما بعد، وكسر هذه الحلقة”، بحسب تعبيره.

الخبير الاقتصادي السوري سمير الطويل، لـ “حفريات”: إن لم يتمّ استبدال الكتلة النقدية المطروحة حالياً بالكتلة النقدية السابقة سيزداد التضخم وارتفاع الأسعار

كما يرى أنّ عجز مؤسسات الدولة عن الاستمرار بتقديم خدماتها، سيؤدي إلى تحرّر الأسعار وتعويمها، وذلك سيفضي إلى تعويم العملة، وبعدها ستتمّ خصخصة ما تبقى من مؤسسات الدولة، أضف إلى ذلك خسارة الأرصدة الموجودة في البنوك، وهذا سوف ينعكس سلباً على حركة الاستثمار، فمن أخذ قرضاً من البنك، وقام بشراء السلع والخدمات، يرى أنّه قد ربح، أما من وضع أمواله في البنوك، فهذا الأمر سيقود إلى المزيد من الخسائر”.

وبالتزامن مع انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع قيمة الدولار، ستقود هذه العملية إلى “المزيد الأزمات والخسائر الاقتصادية، وإلى انخفاض مستوى الدخل والأجور، الذي سيؤدّي عملياً إلى انخفاض معدّل دوران العملة، ونتج عن هذه العملية توقف الأعمال والمزيد من البطالة، وبما أنّنا وصلنا إلى الحدّ الأعلى من مستوى الفقر، أو ما تحته، أي إلى مستوى (الفقر المدقع)”.

واعتمد النظام السوريّ، العام الماضي، على الأفراد، عن طريق المزايدات، لتأمين مادة القمح والمحروقات، “أما الآن؛ فلن يكون هناك جدوى من هذا الأمر، وهذا سيقود إلى تعميق أزمة الخبز والطحين والمحروقات، وإلى المزيد من أزمات أخرى جديدة ستظهر في الأيام المقبلة”.

فقر مدقع وحالة إنسانية واقتصادية صعبة

ويعتقد الكريم أنّه، ونتيجة ارتفاع الأسعار في سوريا، ستغدو الفئات النقدية من العملة، كفئة الـ 50 والـ 100، لا قيمة لها، وغير مجدية للعمل التجاري، وسينتج عن ذلك انخفاض بالسيولة، وريثما تتمّ إعادة التقييم، وستتوقف الحركة التجارية، مع مزيد من الركود، وسوف ينعكس ذلك على عمل الموظفين بالدولة، على سبيل المثال؛ ففي هذا الوضع سينتشر الفساد بين الموظفين والعاملين بسبب انخفاض دخلهم، وسينتج عن ذلك المزيد من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

اقرأ أيضاً: نساء سوريا وجحيم الحرب.. ابتزاز وتحرش مقابل اللقمة!

وأردف الكريم: “نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار، سوف تفقد الكثير من البضائع، أو ما تبقى منها، ميزاتها التنافسية، وكان النظام باستطاعته تصدير بعض السلع إلى الأردن أو إلى لبنان، أو إلى أوروبا، من منتجات سورية لصالح المعامل المقامة في الخارج، كما أنّ الصناعة ستبدو غير قادرة على النهوض والانطلاق نتيجة ارتفاع كلفتها، إضافة إلى صعوبة الحصول على الدولار، وتدهور الليرة السورية، ما يجعل العمل غير مربح وغير مجدٍ، وهذا يؤدّي إلى خسائر كبيرة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الزراعة، بالتالي، نحن سنشهد تدهوراً في وضع الأمن الغذائي”.

اقرأ أيضاً: “اليونسيف”: 2.4 مليون طفل سوري محرومون من التعليم… ماذا يخبرنا الرقم؟

وفي النهاية، “قد نشاهد أيضاً، ونتيجة محاولة القاطنين في بعض المناطق السورية، كالإدارة الذاتية وشمال سوريا، المحافظة على أموالهم، المطالبة بالاستقلال الإداري والمالي والاعتماد على “الدّولرة”، كون تلك المناطق لا تخضع لسيطرة النظام، وهذا الأمر سيدفع باقي المناطق عبر الجغرافيا السورية للمطالبة بالشيء ذاته، وسنغدو، في هذا الوضع، على أبواب التجزئة الإدارية، أو سيصبح الانفصال الفدرالي مطلباً شعبيّاً لكلّ السوريين”.

اقرأ أيضاً: اتهامات لحزب الله باختطاف معارضين سوريين وتسليمهم لدمشق

أما الخبير الاقتصادي السوري، سمير الطويل، فقال لـ “حفريات”: “عندما تقوم أيّة حكومة، أو مصرف مركزيّ، في طباعة عملة، فهناك عدة أسباب موجبة لطباعة هذه العملة؛ إما أن يكون السبب اقتصادياً، أي أنّ اقتصاد الدولة قوي ومتماسك، وهناك حاجة إلى طباعة هذه العملة، أو تحفيز الاستثمار والاقتصاد، إضافة إلى استبدال عملة تالفة وقديمة بعملة أخرى جديدة، لكن، في الحالة السورية، النظام في حاجة إلى النقود كي يدفع رواتب وأجور الموظفين والعاملين بشكل أساسي، إضافة إلى تمويل موازنة الدولة، وهو تمويل بالعجز؛ لأنّ حكومة النظام الحالية تُصدر في كلّ سنة الموازنة العامة للدولة، وتقوم بتمويلها عبر (التمويل بالعجز)، وهو الاقتراض عبر سندات من البنك المركزي أو من المصارف”.

الخبير الاقتصادي السوري، سمير الطويل

ويرى أنّ “الوضع الكارثيّ على الاقتصاد السوريّ، وعلى النظام، يكمن في أنّ الأخير يقوم بطرح فئة 5000 من العملة النقدية، وبالطبع الهدف من طرح عملة بهذا القدر، هو كبح جماح التضخم الحاصل نتيجة تدهور الليرة السورية؛ فاليوم نتحدث عمّا يتمّ تداوله في السوق السوداء فيما يخصّ سعر الدولار مقابل الليرة السورية، الذي تخطّى حاجز الـ 3000 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، ووصل إلى 3040، والرقم قابل للارتفاع في الأيام المقبلة”.

اقرأ أيضاً: ذاكرة الحرب المريرة في سوريا: “لقد محوا أحلام أطفالي”

ويرى الطويل؛ أنّ هدف النظام من الإصدار النقدي الجديد هو زيادة الكتلة النقدية في السوق والاستفادة منها، وهو يوهم الناس والمتابعين للشأن الاقتصادي أنّ الهدف من الإصدار النقدي هو استبدال عملة تالفة وكبح جماح التضخم الحاصل نتيجة ارتفاع الأسعار وتدهور الليرة السورية، لكن إن لم يتمّ استبدال الكتلة النقدية المطروحة حالياً بالكتلة النقدية السابقة سيزداد التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور الليرة، وعلى ما يبدو فإنّ سوريا ذاهبة للسيناريو اللبناني، مثل طباعة فئات كبيرة من العملة اللبنانية، بسبب انخفاض قيمة العملة اللبنانية أمام الدولار، وتدهور الوضع الاقتصادي أيضاً، في حال بقيت السياسة الاقتصادية في سوريا مستمرة في مسارها الحالي.

اقرأ أيضاً: بالصور.. تفاقم معاناة اللاجئين السوريين مع فصل الشتاء.. أين تذهب المساعدات؟

كما يرى الطويل؛ أنّ النظام السوري يعاني نقص سيولة، لكن بالمقابل؛ فإنّ طباعة العملة الحالية تفتقد وجود احتياطي نقدي، واحتياطي من الذهب لدى البنك المركزي، وفي النهاية النظام السوري فاقد للشرعية، وغير معترف به دولياً، إلا من دول محدّدة، مثل حلفائه في المنطقة؛ لذلك طباعة العملة بالنسبة إليه أمر معقد، وعلى ما يبدو فإنّ هذه العملة الجديدة تتمّ طباعتها في روسيا، وهذه العملية لا تحظى باعتراف دوليّ فيما يخصّ طباعة العملة، حتى إنّه، وفي بداية عام 2012، أصدر النظام ورقة نقدية من فئة الـ 500، تمت طباعتها في روسيا، لم يتم التعامل بها أو تبديلها خارج سوريا.

 

اترك تعليق

مقالات ذات صلة